في سياق متسارع من القرارات الإدارية ذات الطابع الاجتماعي والديني، أصدرت جهات تابعة للسلطة السورية المؤقتة التي تقودها هيئة تحرير الشام، خلال شهري كانون الثاني وشباط 2026، ثلاثة قرارات منفصلة تمسّ بشكل مباشر الحقوق والحريات الفردية، ولا سيما حرية المظهر الشخصي، وحرية السلوك الاجتماعي، والحقوق الثقافية والشخصية المرتبطة بنمط الحياة.
تتعلق هذه القرارات بـ منع الاختلاط والرقص في المناطق السياحية، وحظر وضع مساحيق التجميل للموظفات، وفرض رسوم مرتفعة على المشروبات الكحولية، ما يثير مخاوف حقوقية جدية من تكريس قيود أيديولوجية على المجتمع، خارج أي إطار قانوني تشاركي أو دستوري.
أولاً: قرار منع الاختلاط والرقص في وادي بردى – تقييد للسلوك الاجتماعي والثقافي
أصدرت بلدية سوق وادي بردى في ريف دمشق، بتاريخ 3 شباط/فبراير 2026، تعميماً يقضي بمنع المطاعم في المنطقة من استقبال المجموعات السياحية التي تمارس الاحتفال أو الرقص المختلط بين النساء والرجال، بحجة مخالفة ما وصفه القرار بـ«العادات والتقاليد».
وجاء في نص التعميم:
«استناداً إلى أخلاق ديننا الحنيف ولوائح الآداب العامة، والحرص على العادات والتقاليد المجتمعية واحترامها، يُمنع منعاً باتاً استقبال المجموعات السياحية المختلطة التي تقوم بحفلات الرقص المختلط والاندماج دون وضع رادع أخلاقي في المطاعم الشعبية وغيرها، وتحت طائلة الإغلاق للمطعم وختمه بالشمع الأحمر».
ووقّع القرار باسم رئيس بلدية سوق وادي بردى أحمد سن علي.
إن فرض قيود مبنية على تأويلات دينية أو عرفية غير منصوص عليها في قانون مكتوب، وتهديد المنشآت الخاصة بالإغلاق، يشكّل إخلالاً بمبدأ الشرعية القانونية.
ثانياً: فرض رسوم باهظة على المشروبات الكحولية – حظر غير مباشر
أصدرت وزارة المالية في السلطة السورية المؤقتة القرار رقم 120 بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2026، والذي نص في مادته الأولى على تحديد سعر بيع لصاقة المشروبات الكحولية بمبلغ 1000 ليرة سورية وفق العملة الجديدة.
وبحسب المعطيات الواردة، فإن هذا المبلغ يعادل 100 ألف ليرة سورية وفق السعر القديم (نحو 9 دولارات أميركية) تُفرض على كل منتج كحولي، دون تحديد:
نوع المادة الكحولية، نسبة الكحول، حجم العبوة ما يعني أن القرار يشمل جميع المشروبات الكحولية، بما فيها الجعة (البيرة)، سواء كانت منتجة محلياً أو مستوردة.
يرى مراقبون حقوقيون أن القرار يشكّل محاولة لحظر بيع واستهلاك الكحول بشكل غير مباشر عبر أداة مالية، بكما يثير القرار شبهة التمييز على أساس المعتقد ونمط الحياة.
ثالثاً: منع المكياج للموظفات في اللاذقية – تمييز قائم على النوع الاجتماعي
بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2026، صدر تعميم إداري عن محافظ اللاذقية محمد أحمد عثمان، المعيّن من قبل السلطة المؤقتة، يقضي بمنع الموظفات في الدوائر والمؤسسات العامة من وضع مساحيق التجميل (المكياج) بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي.
ورغم نفي بعض الحسابات المقرّبة من الحكومة صحة التعميم، أكدت مديرية الإعلام في محافظة اللاذقية صحته، مبررة القرار بأنه: «لا يهدف إلى التضييق أو المساس بالحريات، بل يندرج في إطار تنظيم المظهر الوظيفي وتجنّب المبالغة».
ويفرض هذا القرار تمييزياً بحق النساء، إذ يفرض قيوداً على المظهر الشخصي للنساء دون الرجال، ويتدخل في الحرية الفردية.
نحو أسلمة الفضاء العام وتقييد الحريات تدريجياً
تأتي هذه القرارات في سياق أوسع من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والديني في سوريا ونشر فتاوى تكفر بعض الطوائف ما يثير مخاوف متزايدة من تطبيق تدريجي لسياسات قائمة على أيديولوجيا الإسلام السياسي وإنشاء كيانات رقابية شبيهة بـ«لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
إن غياب الرقابة القضائية المستقلة، وعدم إشراك المجتمع، وفرض قيود واسعة على أساس ديني أو أخلاقي، يشكّل انتهاكاً ممنهجاً لمبادئ حقوق الإنسان الأساسية، ويهدد التعددية والحريات الشخصية في سوريا، في مرحلة يفترض أن تكون انتقالية لا قمعية.
English version: Click here













