يوثّق هذا التقرير حالة تعيين وتكريم العميد عبد العزيز داود هودافيردي (ويُعرف أيضًا باسم خدابردي)، المنحدر من تركستان الشرقية، بوصفها نموذجًا دالًا على سياسة أوسع انتهجتها السلطة المؤقتة في سوريا “هيئة تحرير الشام”، تقوم على تولية مقاتلين أجانب مناصب قيادية في الجيش والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع تسريح عشرات الآلاف من العسكريين السوريين على خلفيات طائفية أو سياسية، واستبعاد ضباط منشقين عن النظام السابق من مواقع القيادة، وحصر القرار العسكري والأمني بهيئة تحرير الشام والفصائل الأجنبية أو الموالية لها.
أولًا: الخلفية الشخصية والعسكرية لعبد العزيز داود هودافيردي
عبد العزيز داود هودافيردي (أو خدابردي) مقاتل أجنبي منحدر من تركستان الشرقية، برز اسمه كأحد القياديين فيما يُعرف بـ“الفرقة 84” التابعة للجيش السوري الذي شكتله “هيئة تحرير الشام” بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتشير مصادر إعلامية إلى أن الفرقة “84” تضم قيادات أجنبية من عدة دول وانخرطت في معارك إلى جانب قوات السلطة المؤقتة لا سيما في معارك الساحل السوري في آذار 2025 ومعارك السويداء في تموز 2025 التي أدت إلى أعمال عنف وجرائم جسيمة بحق المدنيين من الطائفتين العلوية والدورزية.
وكان رئيس السلطة المؤقتة في سوريا، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، أصد في 28 كانون الأول/ديسمبر 2024 القرار رقم /8/، الذي نصّ في مادته الثانية على منح رتبة عميد في الجيش السوري لعبد العزيز داود خدابردي، إلى جانب مقاتلين أجانب آخرين من جنسيات متعددة، بينها ألبانيا وطاجيكستان ومصر ودول أخرى.
ثانيًا: واقعة التكريم العلني ودلالاتها
في 18 كانون الأول/ديسمبر 2025، جرى تداول صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر عبد العزيز داود هودافيردي خلال تكريمه من قبل مدير منطقة حارم في محافظة إدلب، حسين جنيد. وُصف هذا الظهور بأنه نادر، لكنه حمل دلالات سياسية وأمنية واضحة، كونه يأتي في وقت تعلن فيه السلطة نفسها، عبر خطابها الإعلامي، نيتها معالجة ملف “المقاتلين الأجانب” أو ترحيلهم.
إن تكريم ضابط أجنبي مُنح رتبة رفيعة في الجيش، وفي مناسبة رسمية، يكشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، ويشير إلى أن الوجود الأجنبي في مفاصل القوة العسكرية لا يزال معتمدًا عليه، بل ومكافأً عليه.
ثالثًا: سياق أوسع من الإقصاء وإعادة الهيكلة
تأتي حالة هودافيردي ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة سلطة الأمر الواقع، تميّز بعدة سمات متلازمة:
تسريح واسع للسوريين: جرى تسريح عشرات الآلاف من العسكريين والموظفين الأمنيين السوريين، على أساس الانتماء الطائفي أو الاشتباه بالولاء السياسي، دون إجراءات قضائية شفافة أو معايير مهنية معلنة.
استبعاد الضباط المنشقين: رغم أن كثيرًا من الضباط المنشقين عن النظام السابق يمتلكون خبرة عسكرية نظامية، فقد جرى تهميشهم أو إقصاؤهم من مواقع القيادة، لصالح شخصيات مرتبطة بهيئة تحرير الشام أو فصائل أجنبية.
حصر القيادة بجهة واحدة: تركزت القيادة العسكرية والأمنية بيد هيئة تحرير الشام وشبكة من المقاتلين الأجانب أو السوريين المرتبطين بها، ما أدى إلى تغييب مبدأ التمثيل الوطني داخل المؤسسات الناشئة.
رابعًا: تناقض الخطاب والممارسة في ملف “الأجانب”
رغم تصاعد التصريحات حول ترحيل المقاتلين الأجانب أو إنهاء نفوذهم، تُظهر الوقائع الميدانية استمرار وجودهم في مواقع حساسة، بل وتكريمهم رسميًا. لا يقتصر الأمر على حالة هودافيردي، بل يتقاطع مع تقارير أخرى عن:
توطين مقاتلين أجانب، من بينهم إيغور، في منازل تعود لسكان مهجّرين قسرًا في ريف عفرين.
تداول معلومات عن خطط لتجنيس عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب ومنحهم الجنسية السورية.
استمرار نشاط مجموعات جهادية أجنبية، واحتفاظها بهوامش حركة ونفوذ داخل البنية الأمنية القائمة.
هذا التناقض يضعف مصداقية أي ادعاء بالإصلاح المؤسسي أو استعادة القرار السيادي، ويجعل ملف “الأجانب” أداة إدارة انتقائية تخضع لمصالح سياسية وأمنية ضيقة.
خامسًا: الآثار الحقوقية والسيادية
إن تولية أجانب مناصب قيادية في الجيش، مقابل إقصاء السوريين، تحمل آثارًا حقوقية وسيادية خطيرة، أبرزها:
انتهاك مبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة.
تقويض الحق الجماعي للسوريين في إدارة مؤسساتهم العسكرية والأمنية.
تعميق الانقسامات المجتمعية، وربط القرار السيادي بولاءات غير وطنية.
كما أن استمرار الغموض حول هذه السياسات يتعارض مع أي مسار جدي لإعادة بناء الثقة أو تحقيق انتقال سياسي يحترم المعايير الأساسية لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
خاتمة
تشكل حالة العميد عبد العزيز داود هودافيردي مثالًا واضحًا على نمط أوسع من السياسات التي تنتهجها سلطة الأمر الواقع في سوريا، حيث يجري تثبيت نفوذ المقاتلين الأجانب داخل هياكل القوة، بالتوازي مع تهميش وإقصاء السوريين. إن غياب الشفافية، وتناقض الخطاب مع الممارسة، واستمرار الهيمنة غير السورية على مراكز القرار، كلها عوامل تضع علامات استفهام جدية حول مستقبل السيادة والحقوق في سوريا.
English version: Click here












