بيان
تدين منصة رايتس مونيتور سوريا بأشد العبارات الاعتداءات التي تعرّضت لها قافلة المهجّرين الكرد العائدين إلى مدينة سري كانيه/رأس العين بشمال سوريا، يوم 10 آب/أغسطس 2026، والتي تزامنت مع وصول أول قافلة تضم نحو 400 عائلة، وسط معلومات عن احتجاز عدد من العائدين وإطلاق النار على سيارات القافلة والاعتداء على بعض أفرادها، في أحداث خلقت حالة من الخوف والتهديد المباشر بين العائلات العائدة.
وبحسب ما وثقته المنصة من إفادات ومشاهد متداولة، أقدم مسلحون موالون لتركيا والسلطة المؤقتة في دمشق على احتجاز عدد من المهجّرين العائدين قبل إطلاق سراحهم لاحقاً، فيما أطلق مسلحون آخرون النار على سيارات القافلة بهدف ترهيب العائلات، بالتزامن مع مشاهد تظهر الاعتداء على مركبات المهجّرين وتكسيرها.
كما وثقت المنصة تعرض أوجلان حسكي، وهو شاب كردي من مهجّري سري كانيه/رأس العين وينحدر من منطقة كوباني/عين العرب، ويعمل سائقاً لإحدى حافلات القافلة، لاعتداء من قبل مسلحين داخل المدينة، أدى إلى إصابته في منطقة الرأس. وتظهر صورة متداولة آثار الدماء على رأسه، فيما يظهر أحد المسلحين في وضع ينطوي على إهانة واضحة لكرامته الإنسانية.
وفي وقت لاحق من ليلة 10 آب/أغسطس، أظهرت مشاهد متداولة مسلحين يجوبون شوارع المدينة ويوجهون تهديدات صريحة مفادها منع الكرد أو الأعضاء السابقين في قوات سوريا الديمقراطية من دخول سري كانيه/رأس العين، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من وجود محاولة منظمة لترهيب العائدين وعرقلة عودتهم.
وترى رايتس مونيتور سوريا أن هذه الوقائع، في حال ثبوتها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث أمنية منفصلة، بل يجب النظر إليها في سياق أوسع من التهديدات التي سبقت عودة المهجّرين، وما قد تشكله من مساس بحقوق المدنيين في الأمن والسلامة الشخصية والعودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية دون إكراه أو ترهيب.
تؤكد المنصة أن عودة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، وألا تتم في ظل التهديد أو العنف أو التمييز أو الخوف من الانتقام.
كما أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحظر الاعتقال التعسفي والعنف والتمييز على أساس الانتماء القومي أو الإثني، ويكفل لكل إنسان الحق في الأمن والسلامة الشخصية والكرامة، فيما يفرض القانون الدولي الإنساني، في سياقات النزاع المسلح، التزامات واضحة بحماية المدنيين واحترامهم ومنع الاعتداء عليهم أو معاملتهم بصورة مهينة.
وبناءً عليه، فإن احتجاز العائدين، وإطلاق النار على مركبات مدنية، والاعتداء على الأشخاص وتكسير مركباتهم، وتهديد العائلات على أساس كونها كردية، تمثل وقائع بالغة الخطورة تستوجب التحقيق والمساءلة، ولا سيما إذا ثبت أنها جاءت في إطار سياسة أو نمط يهدف إلى منع السكان المهجّرين من العودة إلى مناطقهم الأصلية.
مسؤولية السلطات المؤقتة والجهات الأمنية والعسكرية
تحمّل رايتس مونيتور سوريا السلطات المؤقتة في دمشق، والجهات الأمنية والعسكرية المكلفة بحماية مدينة سري كانيه/رأس العين والعائدين إليها، مسؤولية قانونية وسياسية وأخلاقية عن الإخفاق في توفير الحماية اللازمة للمدنيين، وعن عدم اتخاذ التدابير الكافية لمنع الاعتداءات والترهيب التي رافقت وصول القافلة الأولى.
وتؤكد المنصة أن مسؤولية السلطات لا تقتصر على عدم ارتكاب الانتهاكات بصورة مباشرة، بل تشمل أيضاً واجب اتخاذ التدابير المعقولة والفعالة لحماية المدنيين من الانتهاكات التي يرتكبها أفراد أو جماعات مسلحة واقعة ضمن نطاق سيطرتها أو نفوذها، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما أن السماح بعودة المدنيين إلى منطقة دون توفير الحد الأدنى من الضمانات الأمنية اللازمة لحمايتهم من الاعتداءات أو الانتقام أو التهجير مجدداً، يثير تساؤلات جدية حول مدى وفاء السلطات بالتزاماتها تجاه هؤلاء المدنيين.
مطالب رايتس مونيتور سوريا
تطالب منصة رايتس مونيتور سوريا السلطات المؤقتة في دمشق والجهات المعنية بما يلي:
فتح تحقيق مستقل وشفاف ونزيه وعاجل في جميع الاعتداءات التي رافقت وصول القافلة، بما في ذلك عمليات الاحتجاز وإطلاق النار والاعتداءات على المدنيين وتكسير المركبات والتهديدات الموجهة ضد العائلات الكردية.
تحديد هوية جميع المتورطين والمحرّضين والمسؤولين عن هذه الاعتداءات ومحاسبتهم وفق إجراءات قضائية عادلة، وعدم السماح بالإفلات من العقاب أو توفير الحماية لأي شخص يثبت تورطه.
ضمان الحماية الفورية للعائلات العائدة وتأمين ممرات آمنة لهم، ومنع أي جهة مسلحة أو أفراد من عرقلة عودتهم أو تهديدهم أو إجبارهم على مغادرة المدينة مجدداً.
وقف جميع أشكال التهديد والتحريض والتمييز على أساس قومي أو إثني، واتخاذ إجراءات واضحة ضد الخطاب أو الممارسات التي تستهدف المدنيين الكرد أو تحول دون عودتهم.
ضمان أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، وعدم تعريض المهجّرين لأي شكل من أشكال الإكراه أو الترهيب أو الانتقام أو التمييز.
توفير ضمانات أمنية فعلية ومستقلة للعائدين، بما في ذلك حماية القوافل المدنية وممتلكات العائدين ومنازلهم، وضمان عدم تعرضهم للاعتقال التعسفي أو الاعتداء أو الابتزاز.
ضمان حق المهجّرين في العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية وعدم اتخاذ أي تدابير من شأنها تكريس واقع التهجير أو فرض تغييرات ديموغرافية بالقوة أو التهديد.
السماح للمنظمات الحقوقية والإنسانية المستقلة بمراقبة أوضاع العائدين وتوثيق الانتهاكات التي قد يتعرضون لها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والحماية اللازمة للمدنيين.
الالتزام بالضمانات المتعلقة بحق العودة الواردة في الاتفاقات والتفاهمات ذات الصلة، بما فيها ما تم التوصل إليه في 29 كانون الثاني/يناير، وعدم السماح لأي جهة مسلحة أو سياسية بتقويض هذه الضمانات عبر العنف أو التهديد.
دعوة الجهات الدولية والأممية المعنية إلى مراقبة أوضاع العائدين في سري كانيه/رأس العين بصورة عاجلة، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار الانتهاكات وضمان حماية المدنيين.
وتشدد رايتس مونيتور سوريا على أن حق المهجّرين في العودة لا ينبغي أن يتحول إلى مخاطرة بحياتهم أو أمنهم، وأن عودة المدنيين إلى مناطقهم الأصلية لا تكون ذات معنى قانوني أو إنساني إذا جرى استقبالهم بالعنف والتهديد والاعتقال والترهيب.
كما تحذر المنصة من أن تكرار هذه الممارسات أو التغاضي عنها من شأنه أن يكرّس واقعاً من الإفلات من العقاب، ويقوّض أي جهود لإعادة المهجّرين إلى مناطقهم، ويهدد بإعادة إنتاج أنماط التهجير القسري والانتهاكات التي عانى منها المدنيون السوريون خلال سنوات النزاع.
وتأتي الاعتداءات الأخيرة في سياق تاريخ طويل من التهجير والتغيرات الديموغرافية والأمنية التي شهدتها المنطقة منذ إطلاق تركيا عملية “نبع السلام” في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بمشاركة فصائل من “الجيش الوطني السوري”، والتي انتهت بسيطرة القوات المشاركة فيها على سري كانيه/رأس العين وتل أبيض، وأدت، وفق تقديرات وتقارير حقوقية، إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان، غالبيتهم من الكرد.
وترى رايتس مونيتور سوريا أن معالجة آثار التهجير لا يمكن أن تتم عبر فرض أمر واقع جديد، وإنما من خلال ضمان حق السكان المهجّرين في العودة الطوعية والآمنة والكريمة، واستعادة حقوقهم، وحماية ممتلكاتهم، ومحاسبة كل من تورط في الانتهاكات أو عمل على منع عودتهم.
رايتس مونيتور سوريا
11 آب 2026
اكتشاف المزيد من رايتس مونيتور سوريا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









