أقدمت عناصر تابعة للأمن العام في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية غرب سوريا، وفق شهادات محلية متطابقة، على اعتقال الطبيب النفسي نديم عباس، بعد مشاركته في وقفة فردية تضامنية للمطالبة بالكشف عن مصير الشابة بتول سليمان علوش، وسط استمرار الجدل الحقوقي والإنساني المحيط بقضيتها، ومخاوف متزايدة من تعرضها للاختطاف أو الإخفاء القسري تحت غطاء ديني وتحريضي.
وبحسب المعلومات المتداولة، وصل نديم عباس، وهو طبيب نفسي من محافظة طرطوس وينتمي إلى الطائفة العلوية، إلى مدينة جبلة يوم الاثنين 11 أيار/مايو 2026، حيث رفع لافتة أمام المجمع الحكومي قرب الكراج القديم كتب عليها: “مافي شهادة تحت الخطف”، في إشارة إلى قضية اختفاء الطالبة بتول علوش، ورفضاً لأي إفادات أو تسجيلات يُعتقد أنها صدرت تحت الضغط أو الإكراه.
وذكرت شهادات محلية أن مجموعات موالية للسلطات قامت بالاعتداء عليه جسدياً وتمزيق اللافتة التي كان يحملها، قبل أن تتدخل عناصر الأمن العام وتقوم باعتقاله واقتياده إلى داخل المجمع الحكومي. كما أفادت مصادر محلية بأنه جرى احتجازه في قبو المبنى الحكومي، دون صدور أي توضيح رسمي بشأن أسباب اعتقاله أو مكان احتجازه أو وضعه الصحي حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عباس تعرض للضرب أثناء توقيفه، في حين لا تزال عائلته ومتابعون للقضية يفتقرون لأي معلومات مؤكدة بشأن مصيره، الأمر الذي يثير مخاوف من تعرضه للاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري، في انتهاك للحق في الحرية والأمان الشخصي وحرية التعبير والتجمع السلمي.
خلفية قضية بتول علوش
تعود القضية إلى اختفاء الشابة بتول سليمان علوش، وهي طالبة في المعهد التقاني الطبي بجامعة تشرين في اللاذقية، يوم الأربعاء 29 نيسان/أبريل 2026 أثناء عودتها من الجامعة، بحسب إفادة عائلتها.
ومنذ ذلك الحين، تواصل والدة بتول مناشداتها للجهات المعنية والمنظمات الحقوقية للمطالبة بالكشف عن مصير ابنتها وتأمين الحماية للعائلة، مؤكدة أن الأسرة باتت “مستهدفة” بسبب استمرارها بالمطالبة بالحقيقة.
وفي 6 أيار/مايو 2026، جرى تداول رسالة منسوبة إلى بتول مرفقة بصورة لهويتها الشخصية، تضمنت ادعاءات بأنها غادرت منزلها بإرادتها وأنها “أسلمت” و”هاجرت في سبيل الله”، وفق نص الرسالة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأثارت الرسالة موجة واسعة من الجدل والتشكيك، خاصة مع اعتبار أفراد من عائلتها وناشطين حقوقيين أن صياغتها ومضمونها يحملان طابعاً دعائياً وأيديولوجياً، ولا ينسجمان مع أسلوب الضحية أو بيئتها الاجتماعية، وفق تعبيرهم.
كما تصاعد الجدل عقب نشر الداعية عبد الرزاق المهدي فتوى اعتبر فيها أن إعادة بتول إلى عائلتها “لا تجوز شرعاً” في حال كانت قد غادرت منزلها بعد “اعتناق الإسلام”، متضمناً توصيات بعدم إعادتها إلى ذويها وتأمين الحماية لها.
وأثارت هذه التصريحات مخاوف إضافية لدى عائلة الشابة وحقوقيين، الذين اعتبروا أن هذا الخطاب يساهم في التحريض الطائفي وتبرير احتجازها أو إخفائها تحت غطاء ديني، ويزيد من احتمالات تعرض الأسرة للتهديد والاستهداف المجتمعي.
بث مباشر يثير تساؤلات حول حرية إرادة الضحية
وفي تطور لاحق، ظهرت بتول علوش داخل المجمع الحكومي في جبلة ضمن بث مباشر استمر نحو نصف ساعة فجر يوم الاثنين 11 أيار، حيث لاحظ متابعون تغيراً جذرياً في مظهرها، مع ارتدائها خماراً أسود، ما أثار مزيداً من التساؤلات حول ظروف ظهورها ومدى حريتها في التعبير عن إرادتها.
كما قال ناشطون من الطائفة العلوية إن أجزاءً من البث جرى اقتطاعها وإعادة نشرها بشكل انتقائي، مشيرين إلى أن بعض الشخصيات المقربة من السلطات تولت الحديث نيابة عن بتول خلال البث، في حين غابت العائلة عن الظهور المباشر معها.
ووفق إفادات متداولة، تحدث والد الفتاة في تسجيل سابق عن تعرضه للخداع بعد مطالبته بتسجيل مقطع مصور يؤكد أن ابنته “ليست مخطوفة” مقابل وعود بإعادتها، قبل أن يتم لاحقاً التراجع عن ذلك، بحسب قوله.
مخاوف حقوقية متصاعدة
تأتي قضية بتول علوش، ضمن سياق أوسع من تزايد البلاغات المتعلقة بحالات الخطف والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي التي تستهدف مدنيين في سوريا، ولا سيما النساء والفتيات المنتميات إلى أقليات دينية أو طائفية، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية وضعف آليات المساءلة القانونية.
وترى منصة رايتس مونيتور، أن اعتقال الطبيب نديم عباس بعد تضامنه السلمي مع القضية يمثل مؤشراً خطيراً على تضييق مساحة حرية التعبير والتضامن المدني، ويثير مخاوف إضافية بشأن سلامته الجسدية والقانونية، خصوصاً مع غياب أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه أو وضعه الحالي.
منصة رايتس مونيتور
English version: Click here









